Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Marockpress :Presse Citoyenne Libre

الجامعة المغربية وإشكالية التنمي

1 Novembre 2011 , Rédigé par marockpress Publié dans #عربية

الجامعة المغربية وإشكالية التنمية

<?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" />

تأملات سوسيولوجية في بعض عوامل الأزمة وتحولات المسار*

 

 

                                                                 مصطفى محسن

أولا: المؤسسة الجامعية: أهمية المقاربة العلمية للفكرة وآليات الاشتغال

مما لا جدال فيه أن الجامعة قد أصبحت، في المجتمع الحديث والمعاصر، من أهم وأخطر المؤسسات الاجتماعية، نظرا لما أنيط بها من مهام تربوية وعلمية وسياسية واقتصادية متعددة... يتمثل بعضها في تكوين وتأهيل العنصر/ الرأسمال البشري علميا ومهنيا وفكريا وسياسيا، رافدة بذلك مختلف القطاعات الإنتاجية والمجالات المتعددة في المجتمع بما تحتاجه من قوى بشرية مؤهلة للإسهام في مشاريع التنمية الاجتماعية الشاملة.

       وانطلاقا من هذه الأهمية المركزية للجامعة، فقد أمست موضوعا للكثير من الطروحات والدراسات المختلفة في أطرها المرجعية وإحالاتها التخصصية. وذلك من أجل مقاربة وفهم هذه المؤسسة: فكرة ودورا و ثقاقة وآليات اشتغال... ونورد هنا هذه الملاحظة لنؤكد على مسألة جوهرية آلا وهي أننا لا نرمي،  ضمن هذا المبحث المحدود المتضمن في هذا المقال بالذات، إلى أن نلم بكل ما تتطلبه الدراسة المفصلة للجامعة، حتى ولو كان ذلك في إطار منظور تخصصي معين، كالمنظور السوسيولوجي الذي نعتمده في مقاربتنا هذه خلفية للبحث والتحليل.إن ما نرمي إليه هنا هو، بالتحديد الضابط، تقديم بعض الملاحظات أو العناصر الأولية، حول " ثقافة الفضاء الجامعي"، بالمفهوم السوسيولوجي الشامل للثقافة، بم هي قيم ومعايير وعادات وأعراف وتقاليد وقوانين وتصورات واتجاهات ورؤى للعالم... أي كل ما يقوم عليه نمط عيش جماعة أو مجتمع ما محدود في الٍٍزمان والمكان[i].


وما لهذه الثقافة الجامعية من آثار على زبنائها من الشباب، بل وعلى المجتمع بشكل عام.

وتأسيسا على المنظور السوسيولوجي المنوه به آنفا، فإن المقاربة العلمية للمؤسسة الجامعية، فكرة ودورا وتحولات بنيوية واجتماعية، تستلزم، ضرورة، ربط هذه المؤسسة بسياقها السوسيوحضاري الخاص من جهة، وربطها من جهة أخرى، بسياق كوني أضحت فيه الجامعة، بامتياز، مؤسسة اجتماعية مركزية علميا واجتماعيا وسياسيا... هذا السياق الكوني الذي غالبا ما يؤكد الخطاب التربوي – ولا سيما الرسمي منه – على أنه يتخذ منه مرجعية موجهة لتحديد أهداف ومهام ووظائف الجامعة في مجتمعاتنا الثالثية، كما هي حال المغرب خاصة، والوطن العربي بشكل عام[2]  وهكذا، فإن ما أصبح يعرف عندنا بأزمة الجامعة- رغم ما يمكن أن يطرح من تحفظات على استعمال مفهوم الأزمة – مسألة لا يمكن فهمها، بالعمق الكافي، إلا في إطار ربطها، من جهة، بأزمة بنيوية يعيشها النظام التربوي – التكويني في المغرب حاليا.وربطها، من جهة ثانية أيضا، بشروط نظام مجتمعي شمولي مخترق بالعديد من عناصر ومظاهر التأزم والتفكك، على صعد ومستويات مختلفة ومتعددة، مما أدى، في جل مجتمعات العالم الثالث، إلى فشل الكثير من محاولات التنمية والتحديث.

ثانيا: أزمة جامعة أم أزمة مجتمع؟

 نحو رؤية سوسيوتاريخية شمولية نقدية لأزمة الجامعة المغربية

     بعيدا، عما تروجه بعض الخطابات التربوية والسياسية من منظورات اختزالية.ومن تشخيصات تقنوية لأزمة نظامنا التربوي– التكويني، يمكن القول إن أزمة الجامعة المغربية هي – كما أزمة هذا النظام- بنيوية شمولية متعددة الأبعاد والدلالات. إنها، استنادا على منظور سوسيوبنائي تاريخي، أزمة منطلق وأزمة مسار/ سيرورة، وأزمة مآل[3].

- تتجلى أزمة انطلاقة الجامعة المغربية في كونها لم تقم منذ تأسيسها- كما يتضح من تاريخ نظيرتها في الغرب- على رؤية واضحة المعالم لأهدافها وتوجهاتها ووظائفها العلمية والتربوية والاجتماعية... وإنما نشأت في ظل شروط عدم التبلور الواضح لهذا المعطى الفكري والسياسي الهام. وهكذا، فإذا كانت الجامعة في الغرب قد تأسست انطلاقا من اعتبارها تلك المؤسسة التربوية والعلمية المركزية القادرة على مواكبة مختلف التحولات المعرفية والتكنولوجية والسيوسيوحضارية الكبرى التي عرفها المجتمع الغربي، ورفدها بما يلزم من بحث علمي، ومن معارف وخبرات وقيم ثقافية ورأسمال مؤهل... مما يفترض فيه أن يساهم في ترشيد وتطوير وتوجيه الفكر والممارسة، وأن يدعم، على المستوى السياسي، دولة وطنية وفاقية حاملة لمشروع مجتمعي متسم بقدر لا يستهان به من تكامل المكونات ووضع الأهداف والتوجهات... إذا كان هذا- بكل تركيز وإيجاز- هو محور" فكرة " نشأة الجامعة في الغرب، فإن نشأة الجامعة في مجتمعاتنا العربية والثالثية، كما هو الأمر بالنسبة إلى المغرب، لم تنتظمها نفس شروط السياق الغربي الآنف[4].

ولعلنا لا نجانب الصواب إذا سرنا في خط الاتفاق مع الدراسات التي ترى أن الجامعة في جل أقطار الوطن العربي قد نشأت ضمن شروط محاولة تلبية بعض المستلزمات الكمية للطلب الاجتماعي للتعليم الذي عرف، في مستوى التعليم الإعدادي والثانوي خاصة، بعض التوسع النسبي في مرحلة ما بعد الاستقلال. كما أن حاجة القطاعات الاجتماعية المختلفة من إدارة وتعليم وصحة ومجالات إنتاجية وخدماتية متعددة...- كما هي حال المغرب- قد كانت من بين أبرز عوامل نشأة الجامعة المغربية الحديثة، كجامعة وطنية عصرية "مستقلة" عن بعض سوابقها، مثل نموذج التعليم العالي الكولونيالي ممثلا في معهد الدراسات المغربية العليا، أو نموذج التعليم (العالي) التقليدي ممثلا، أساسا، في جامعتي القرويين وابن يوسف. وقد كان لكل من هذين النموذجين خصوصيات ورهانات وتوجهات ليس هذا مجال تفصيلها لاعتبارات محض منهجية. غير أن الملاحظة الأساسية، التي نود تسجيلها هنا، هي أن ما وسمناه آنفا بـ "أزمة انطلاق الجامعة المغربية" يتجلى، تحديدا، في كون هذه الجامعة لم تكن، منذ تأسيسها، مؤطرة برؤية تربوية وفكرية وسياسية وفلسفية واجتماعية واضحة المقاصد والأطر المرجعية الموجهة. فبغض النظر عما يبدو أنه قد أوكل للجامعة المغربية من مهام مثل استيعاب تدفقات حملة الباكلوريا، وتكوين الكوادر الوطنية التي تطلبتها مرحلة الاستقلال السياسي، لم يكن واضحا تماما أن هذه الجامعة قد كانت معنية- كما هو الشأن بالنسبة للجامعة في المجتمع الحديث فكرة ودورا- بتكوين مواطن" متسم بمواصفات فكرية وقيمية وسياسية واجتماعية معينة، أو بتشكيل نخبة مثقفة(أنتلجانسيا)،أو إعداد "أطر" ذوي كفاءات علمية، ومهنية تتطلبها حاجات المجالات الإنتاجية والاجتماعية المختلفة.كما لم تكن هذه الجامعة معنية أيضا بتكريس" ثقافة وطنية" وتنميتها وتطويرها، تدريسا وبحثا، في إطار سياسة تربوية وثقافية واجتماعية(رسمية) متميزة بقدر ما من التكامل والانسجام في الرؤى والمكونات والأسس الفكرية والإيديولوجية وفي المقصدية الموجهة[5].

وفي إطار سيرورة تطور الجامعة المغربية تنامت أزمة انطلاقتها الآنفة الذكر، مكرسة في ذلك بتراكم مجموعة من المشكلات والمصاعب التي اعترضت هذه السيرورة: تراجع القدرة الاستعابية للمؤسسات الجامعية ولاسيما في مستهل السبعينيات:(الرباط وفاس بالتحديد)، بداية تضاؤل فرص الإدماج المهني لخريجي الجامعة في سوق الشغل، وبشكل خاص في القطاع العام التابع للدولة، الأمر الذي يمكن اعتباره تدشينا لبداية القطيعة بين الجامعة وبين بعض مكونات محيطها السوسيو اقتصادي والثقافي...، يضاف إلى ذلك ما عرفته الجامعة المغربية في هذه الفترة بالذات من توترات وصراعات سياسية وثقافية وفكرية عامة كانت تحركها – في مجملها – هواجس وطموحات جعل الجامعة ميدانا للفكر الحر، وقطبا جاذبا ومحركا للتجديد والتغيير والتنمية والحداثة. غير أن حاملي هذه التوجهات الحداثية من فاعلي المؤسسة الجامعية – الطلبة والأساتذة خاصة – وفي إطار النظر إليهم، من زاوية "الهاجس الأمني" كمتمردين أو مشاغبين مزعجين للنظام، وفي وضعية غياب تحكمهم هم أنفسهم في تدبير عقلاني رشيد وحذر لتفاعلات وصراعات الفضاء الجامعي، فكريا وسياسيا وإيديولوجيا... سيتم الشروع، من طرف الجهات الرسمية، في "سياسة مخزنة الفضاء الجامعي".وذلك بترسانة من التدابير التي سيقع اعتمادها لمحاصرة الجامعة إداريا وتنظيما: (إغلاق كلية الآداب بالرباط وفاس سنة1972، اعتبار هذه السنة سنة بيضاء في جل المؤسسات الجامعية، حظر نشاط "الاتحاد الوطني لطلبة المغرب" في تاريخ.(24 – 1- 1973 )، إقامة حرس جامعي " لحفظ الأمن" أو بالأحرى لضبط ومراقبة تحركات الفاعلين المعنيين... الخ )[6].

وبالرغم مما اعتبرته الجهات الرسمية محاولات لتطوير وإنماء التعليم الجامعي وتكوين الأطر والبحث العلمي، مثل الشروع في توسيع الطاقة الاستعابية للتعليم العالي في مجمله عبر إنشاء "جامعات جهوية " جديدة، ورفع عدد مؤسسات تكوين الأطر المختلفة، وخاصة في نهاية السبعينيات ومستهل الثمانينيات، وما رافق ذلك من إجراءات إصلاحية جزئية، كتعريب بعض التخصصات، مثل الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع، وإحداث إجازات خاصة بهذه التخصصات منذ متوسط السبعينيات، إضافة إلى صدور ظهير 25- 2- 1975 المتضمن لمشروع تنظيمي للجامعة لا يكفل لها سوى بعض الاستقلالية النسبية (المادية تحديدا)...بالرغم من كل هذه المحاولات – والتي لا يمكن بالطبع تجريدها من أي دور إيجابي– فإن الجامعة المغربية، والتعليم العالي عموما، ظلا بعيدين جدا عن تحقيق ما يروج حول وظائفهما وأدوارهما من أهداف معلنة، على الأقل من منظورين أساسيين: أولهما يتمثل فيما ينتقد فيه التعليم العالي من انحسار متزايد لدوره في رفد التنمية الاجتماعية عبر إقامة علاقات تبادلية وتكاملية مع محيطه الاقتصادي، ومع مختلف المؤسسات والقطاعات الإنتاجية والاجتماعية بشكل عام، وثانيهما يتمثل في عدم قدرة هذا التعليم على أن يشكل فضاء للتفكير الحر، والبحث العلمي وتكوين الأطر، والمواطنة المستنيرة، ومراكمة ممنهجة للمعارف والخبرات والتجارب الوطنية والكونية...وتحويل كل هذا التراكم المعرفي والقيمي إلى "منتوج ثقافي واجتماعي " يطمح إلى أن يكون مندمجا في النسيج المجتمعي العام، وموجها للفكر والممارسة[7].هذا دون أن ننفي كلية ما كان لهذا التعليم العالي من دور هام في إنتاج "نخبة مؤهلة" من الأطر تنتمي إلى أصول اجتماعية متباينة، تحتل الآن، بفضل تكوينها، مواقع إدارية واقتصادية وسياسية وثقافية...لا يستهان بقيمتها الاجتماعية.مما أدى ببعض الفئات الاجتماعية المهيمنة المتنفذة اقتصاديا وسياسيا...إلى الدعوة إلى إعادة النظر في "سياسة الباب المفتوح" التي اعتمدت منذ الاستقلال، في تنظيم القبول بمؤسسات التعليم العالي، والتي مكنت بعض "الدخلاء الطبقيين"، من أبناء الفئات غير المحظوظة وغير المحسوبة على ذوي "النبالة والمكانة الاجتماعيتين"، من الوصول إلى بعض مراكز ومناصب القرار في المجتمع، مما يتنافى مع توجهات ومصالح هذه الفئات المتنفذة ويدفعها – سواء بشكل علني أو ضمني– إلى المطالبة بإعادة توزيع متشدد لحظوظ وفرص الاستفادة من التعليم العالي، عبر فرملة غير عادلة لمسالك الانتساب إليه، بدءا من تقليص نسب النجاح في التعليم الثانوي، إلى تقنين الالتحاق بالجامعة والاستمرار في أسلاكها.(شروط القبول، توزيع المنح، تحجيم تخصصات وأعداد طلاب السلك الثالث ...الخ) المحكوم بأهداف سبقت الإشارة إليها[8].

وكفكرة محورية، فإن ما يمكن أن يكون التأكيد عليه مفيدا في هذا الصدد هو أن الجامعة المغربية، بكل مؤسساتها وروافدها من مؤسسات تكوين الأطر وغيرها، قد ظلت تتحرك وتتطور في مسارها الآنف الذكر، دون الخضوع لأي وفاق إجتماعي وطني حول الفلسفة أو السياسة التربوية والاجتماعية والاقتصادية التي ينبغي أن تكون الخلفية الموجهة لها، وللتخطيط الاستراتيجي والتشاركي المجدد لأهدافها وحاجاتها ووسائل ومقومات النهوض بها لتفوم بأدوارها المنتظرة في تدعيم مسارات التنمية والتحديث وتجديد وإغناء المكونات الذاتية والكونية للثقافة الوطنية، وللتراث القومي بكل مقوماته وخصائصه الفكرية والحضارية.

* وتتكرس مشكلات مسيرة التعليم العالي الآنفة الذكر، وغير الواضحة المعالم والتوجهات لما ترتب عليها من عواقب ومستتبعات نعتناها سابقا بـ " أزمة المآل". ونقصد بها ما أصبح يعيشه التعليم الجامعي حاليا من مشكلات وتوعكات ومآزق مختلفة في طبيعتها ودلالتها ومصادرها ومستويات تأثيرها، وكذا امتداداتها وتعالقها مع مكونات النسيج المجتمعي العام. وإذا كنا هنا، كما أسلفنا، لا نهدف سوى إلى إبراز بعض المعالم الأساسية لتطور أزمة الجامعة المغربية- كنموذج لأزمة التعليم الجامعي في الوطن العربي- وإلى تحليل بعض أهم آليات اشتغال الفضاء الجامعي عندنا: بنية وثقافة وعلاقات وفاعلين...إلخ؛ فإن هذه الحيثية المنهجية تستلزم تجنب التفصيل واعتماد التركيز الدال، الكفيل، ضمن حدود معينة، بالمساهمة في تحقيق الهدف المنهجي الآنف.

ثالثا- حول أهم الأبعاد التربوية والسوسيوثقافية لأزمة المؤسسة الجامعة بالمغرب: عناصر وتجليات

هكذا، إذن، يمكن القول: إن من أهم وأبرز المشكلات أو مشخصات هذا المآل المأزمي الذي آلت إليه الجامعة، ما يمكن إجماله، بتركيز شديد، فيما يلي:

1-إشكالية مضامين مناهج التعليم والتكوين Curricula، التي غالبا ما تنتقد بكونها " هامشية بالنسبة لحركة تداول الأفكار في المجتمع"[9] والتي أصبحت بفعل هذه الهامشية- أو التهميش المبيت أو المعلن- في حاجة ماسة إلى مراجعة نقدية شاملة للأسس والتوجهات التربوية والفكرية والسياسية والأساليب والطرق المنهجية التي بنيت عليها شكلا ومحتوى وأهدافا عامة وخاصة وإجرائية وعلاقات تبادلية وتكاملية مع المحيط الاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي العام، ومع ما يعرفه هذا المحيط، وطنيا وإقليميا ودوليا من تحولات ومستجدات وحاجات، معرفية وتقنية وحضارية تتنامى وثائر تجددها وتغيرها باستمرار وتتطلب، لمواكبتها، إصلاحا جذريا للجامعة وللتعليم والتكوين عامة.

2- أزمة البحث العلمي والأطر الجامعية الباحثة. ذلك أنه في إطار ما يعانيه مجتمعنا المغربي، بل ومجتمعاتنا العربية عموما، من غياب علاقة ممنهجة وثيقة وهادفة " بين (سلطة المعرفة) المفترضة في (خطاب) البحث العلمي، وبين سلطة السياسة والاقتصاد القائمة في المؤسسات الحكومية ومراكز النفوذ والمآل في المجتمع، على أن بين السلطتين تقع سلطة المؤسسات التعليمية من جامعات ومعاهد ومراكز دراسات..." [10] في إطار غياب هذه العلاقة يفقد البحث العلمي، الذي يفترض أن تكون مؤسسات التعليم العالي والجامعي معقلا له دوره التنموي والتحديثي الريادي، ووظيفته التوجيهية في عقلنة القرار السياسي والاجتماعي وفي ترشيد الممارسة الفكرية والاجتماعية بشكل عام. وفي هذا الإطار أيضا من القطيعة أو الطلاق بين ما يمكن تسميته بـ " القرار العلمي" و" القرار السياسي والاجتماعي" تتدهور مكانة البحث العلمي وتتراجع مجموعة هامة من الشروط المادية والمعنوية المتعددة التي يتطلبها دعم هذا البحث وإنماؤه والارتقاء به مؤسسيا واجتماعيا، وأطرا باحثة: من طلبة ومدرسين...

3-أزمة الإطار التنظيمي البيروقراطي للجامعة والتعليم العالي عموما. فإذا كان من المفيد أن نذكر، في هذا الصدد، بأن الجامعة: تتميز عن غيرها من مؤسسات التعليم العالي مثل مؤسسات تكوين الأطر العليا، ببعض الاستقلالية الذاتية النسبية في التسيير المادي والبشري وبهامش لا بأس به من الحرية الأكاديمية... فإن الطابع العام للبنيات والهياكل التنظيمية بالجامعة وبمختلف مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي يبرز أن هذه البنيات والهياكل" قد أصبحت في معظمها متقادمة، وفي حاجة إلى إعادة هيكلة تجديدية تستهدف عصرنتها وتفعيلها وتوحيد مساطرها وعددها التنظيمية...في كافة المؤسسات المعنية، وتوسيع صلاحيات تدخلها، وإقامة أجهزتها:( المجالس والهيئات العلمية، الشعب، التنظيمات النقابية والطلابية، مشاريع المؤسسات وأنماط شراكاتها مع بعضها، ومع مختلف الفاعلين التربويين والاجتماعيين...)على أسس عقلانية سليمة تتجاوز بها الوضع الحالي، وضع الفوضى والتشتت في أساليب التنظيم الإداري والتربوي...، وفي الممارسات وأشكال الاشتغال، وفي أنماط التكوين ونوعية الدبلومات الممنوحة....".[11]

كل هذه المشكلات التنظيمية، تساهم بتناميها واستفحالها، في توسيع دائرة التخبط اللاعقلاني في تدبير مكونات وموارد وآليات اشتغال المؤسسات الجامعية مما يحول هذا التدبير إلى مجرد إدارة تشكيلية، متكلسة ومتخلفة أحيانا، لأزمات هذه المؤسسات، تعالجها بمختلف وسائل التلفيف والترقيع دون إقامة هذه المعالجة التدبيرية على عدد ومساطر تنظيمية تتماشى من جهة، مع الأساليب العصرية لتدبير الموارد البشرية، وتتلاءم، من جهة ثانية، مع الدور الريادي المفترض والمنتظر من الجامعة- كحصن للتكوين والبحث وإنتاج المعرفة- أن تقدمه كنموذج يحتذى في امتلاك الاقتدار المنهجي على التدبير والتجديد والتطوير الذاتي والإصلاح، وعلى المساهمة أيضا، في تطوير وتنمية المحيط الاجتماعي بشكل عام.

4- وبفعل هواجس التشريع بعمليات و وتائر"الخوصصة" واشتداد حمى التكالب على الانخراط فيها من طرف بعض الفئات والفعاليات الاقتصادية والاجتماعية- لعدة عوامل ليس هذا مقام تفصيلها - برزت في المغرب حاليا ظاهرة التنامي غير المراقب وغير الموجه لقطاع التعليم العالي الخاص. وإذا كان الخطاب التربوي والاجتماعي( الرسمي خاصة) يجد لنمو هذا القطاع التعليمي بكل مستوياته مجموعة من المبررات، منها مثلا: تخفيف العبء عن التعليم العمومي الرسمي، وفتح الفرص من جديد أمام معطوبيه من الراسبين أو المطرودين أو غير الموجهين...وتوفير أنواع جديدة ومستحدثة من التعليم والتكوين لا تتضمنها مؤسسات الدولة، الأمر الذي يفترض أن يواكب الأنماط المتجددة من " الطلب الاجتماعي" لشعب وتخصصات تعليمية وتكوينية متعددة من جهة ومستجيبة، من جهة أخرى لسوق الشغل، ولمطالب ومستجدات التغير المعرفي والمهني والتحول الاجتماعي والحضاري...، إذا كانت هذه هي بعض مبررات تشجيع التعليم العالي الخاص من طرف بعض الجهات، وهي مبررات لا يمكن إلغاء صدقيتها بالمرة، فإن العديد من التساؤلات، حول جودة وأدوار ووظائف هذا التعليم تظل هي أيضا مشروعة وأساسية: ما هي أسباب ومبررات الكلفة الباهضة لبعض أنماط هذا التعليم؟ كيف يتم تحديد برامجه ومناهجه؟ ما هي آليات المراقبة المعتمدة فيه؟ ما هي شروط وأوضاع البحث العلمي والأطر الباحثة فيه؟ ما هو المصير المهني لخريجيه؟ ما هي الحاجات الفعلية والمفترضة أو المطلوبة والمتوقعة لشعبه وتخصصاته التكوينية والمهنية؟ هل يستجيب لطلب تربوي واجتماعي حقيقي، أم لطلب افتراضي أو وهمي؟ وبالتالي ما هي حدود وإمكانات ومصاعب مساهمته في التنمية البشرية والاجتماعية وتكوين المواطن بشكل عام؟ إلى غير ذلك من الملاحظات والتساؤلات الممكنة...

       وهكذا، فإن مراجعة شاملة لهذا التعليم العالي الخاص وتحديد وضبط شروط ومعايير ومساطر وآليات اشتغاله...وكذلك تدقيق أهدافه، وتوضيح توجهاته وفلسفته ورهاناته وموقعه داخل النظام التربوي- التكويني المتنفذ قد أصبحت مسأليات ضرورية لإصلاح وتجديد وإعادة تأهيل هذا النمط من التعليم، ليصبح أكثر قدرة للاستجابة لمتطلبات التنمية البشرية، وذلك في إطار سياسة تربوية وتنموية واجتماعية متكاملة[12].

5- وبفعل تأثير خطاب انفتاح المؤسسة التربوية على محيطها الاقتصادي والثقافي والاجتماعي العام، وإضافة إلى استحداث الجامعات الجهوية الآنفة الذكر، تم إنشاء عدد من المؤسسات الجامعية الجديدة، مثل: كليات العلوم والتقنيات، والمدارس العليا للتكنولوجيا... كما استحدثت داخل الشعب والتخصصات التقليدية ببعض كليات الآداب والعلوم والحقوق....إجازات مطبقة وتخصصات جديدة بمستوى السلك الثالث...الخ.

       وبالرغم من هذه المحاولات التي أريد فيها للجامعة وللتعليم العالي عموما أن ينفتحا على محيطهما الاقتصادي والاجتماعي، وبالرغم أيضا من الآفاق المعرفية والعلمية والمهنية التي تفتحها، بالفعل، هذه المحاولات التجديدية، فإن التبادل الإيجابي بين المؤسسة الجامعية ومحيطها ما يزال ضعيفا، بل منعدما أحينا. إن هذا هو ما يؤكد كون " أزمة الجامعة"، بل والمؤسسة التربوية عموما ليست أزمة ذاتية خاصة بها.وإنما هي أزمة شمولية تنتظم المحيط السوسيواقتصادي برمته .فما يخترق هذا المحيط من علاقات التبعية والتخلف والتخارج – التي تتعاظم تأثيراتها وامتداداتها الآن بتعاظم هيمنة المد العولمي – وما يقوم عليه اشتغال هذا المحيط أيضا من قيم وعلاقات وآليات لا عقلانية في مجملها، مثل علاقات المحسوبية والزبونية والقرابة، وتهميش المعايير العقلانية في الانتقاء والتوظيف وتدبير الموارد البشرية والمادية، مثل:الكفاءة والجودة وتشجيع المبادرة والإنتاجية...الخ. كل هذا أصبح يشكل عوائق حقيقية أمام انفتاح المؤسسة التربوية عموما على محيطها الاقتصادي والثقافي والاجتماعي الشمولي، ليجعل من أزمة النظام التربوي أزمة مركبة متعددة الأبعاد والمكونات والامتدادات والعواقب...مندرجة ضمن أزمة شمولية منتظمة للكل المجتمعي.وتلك مسألة ليس هذا مقام تفصيل الحديث عنها.

6- وفي إطار هيمنة منظور اقتصادي ضيق لأزمة الجامعة، كثيرا ما يغيب في الخطاب التربوي المروج حولها، أحد أبرز وأخطر مكوناتها، وهو الذي يهمنا بالتحديد في هذه الدراسة. ونقصد بذلك ما يمكن نعته بـ:"أزمة الثفاقة الجامعية".والثقافة هنا يراد بها مدلولها السوسيولوجي العام، وليس ذلك التحديد المعلوماتي المعرفي الخاص والمحدود.إنها إذن " تلك المنظومة المتكاملة من القيم والأعراف والتقاليد العلمية والمهنية والأخلاقيات والمعايير والضوابط ...التي يتم الإجماع عليها لهيكلة وتنظيم مختلف العلاقات والممارسات التي يحتضنها الفضاء الجامعي، بحيث تصبح هذه المنظومة إطارا مؤسسيا موجها للنظر والفعل والتبادل، وملزما- أخلاقيا وتنظيما– لكل الأطراف والفاعلين المعنيين:(الطلاب – الأساتذة...الخ )" [13].

وعلى الرغم من اختلاف مؤسسات الجامعة وتكوين الأطر والتعليم العالي عموما فيما يتعلق بمستوى وأهمية حضور أو غياب عناصر هذه "الثقافة الجامعية"، فإن ما يمكن التأكيد عليه هو أن هذه الثقافة ما تزال تعاني، في جل مؤسساتنا الجامعية والتربوية، من غياب المأسسة العقلانية والمنظمة لمكوناتها وآليات اشتغالها.الأمر الذي يسمح لها بالارتقاء إلى مستوى "النموذج أو الإطار الإرشادي:"الموجه للفكر والممارسة في آن"[14].

وإذا كانت تركيبة الفضاء الجامعي وخصوصيات بنياته التنظيمية، ومجمل الميكانزمات المتحكمة في تفاعلات وتبادلات فاعلي هذا الفضاء... من أهم عوامل غياب ثقافة جامعية ممؤسسة، فإن هذا المعطى يمكن إحالته -على مستوى المنظور الماكرو سوسيولوجي بعاومله إلى واقعة سوسيولوجية ناظمة لمجتمعاتنا مغربيا وعربيا وثالثيا، ألا وهي غياب رؤية شمولية أو مشروع مجتمعي متكامل العناصر توجهه ثقافة مجتمعية عامة،" بمعنى نسق متكامل ومتجانس من المقولات المعرفية والأخلاقية والقيمية، ومن الرموز والنماذج والتوجيهات السلوكية التي تشكل نظرة متماسكة حول الإنسان والمجتمع والتاريخ وحول الماضي والحاضر والمستقبل يمكن الاعتماد عليه في عملية التربية والتثقيف والتنشئة الاجتماعية وضبط الأحداث كما يمكن أن تعتمد عليها الأجهزة الإيديولوجية للدولة وللطبقات الحاكمة لترسيخ ديمومتها ولإضفاء طابع العقلانية والشرعية والهيبة على كل ممارساتها، ولتحويل اختياراتها وقناعاتها، الخاصة إلى ثقافة عامة"[15]. متصدرة ومهيمنة على الصعيد المجتمعي الشمولي.

رابعا: بين أزمة الجامعة وأزمة الثقافة الجامعية: جسامة المهام ومحدودية الفاعلية والدور

هكذا، إذن، في إطار شروط هذه الأزمة المركبة للجامعة المغربية منطلقا وسيرورة ومآلا، لم تتمكن هذه المؤسسة التربوية والاجتماعية من بلورة " ثقافة مؤسسية" تكون بمثابة الإطار المرجعي المنظم والموجه لعلاقات وممارسات فاعليها، بدل أن يظل التسيب والفوضى وتضارب المرجعيات...سمات ناظمة لهذه العلاقات والتفاعلات سواء كان ذلك على مستوى المؤسسة الجامعية الواحدة وعلى مستوى منظومة المؤسسات الجامعية ومجمل مؤسات التعليم العالي وتكوين الأطر بشكل عام. ومن هنا تأتي ضرورة التساؤل عن مهام وأهداف وأدوار ومسؤوليات الجامعة المغربية حاليا في مجالات التربية والتكوين والتوجيه وإعداد البشر وتهيئ الشباب للاندماج الاجتماعي والثقافي والمهني...وفي مجال رفد وإغناء وتطوير الثقافة الوطنية بكل مكوناتها ومقوماتها المتعددة وأبعادها المحلية والحضارية والإنسانية... " لقد كان مفروضا في الجامعة أن تكون المكان الأول والأليق لتنظيم أقصى ما يمكن من التفاعل والتلاقح بين مختلف المجالات المعرفية، وللعمل على بلورة منظومة ثقافية شاملة متكاملة ومنفتحة من شأنها أن تساعد المراهقين والشباب، وكذا مجموع المواطنين على اكتساب أدوات نظرية ومنهجية ومعطيات عملية تساهم في إنماء مواهبهم، وتوجيه سلوكهم، وتأطير مجابهتهم لمختلف مكونات واقعهم التاريخي والمجتمعي(...) ومع الأسف الشديد، فإن هذه الطموحات... لم تتجسد إلا بصفة جزئية متقطعة ومهلهلة في نشاط الجامعة المغربية"[16].

تقودنا المعطيات الآنفة- والتي لم نقدمها سوى بشكل مركز ومجتزأ لاعتبارات منهجية سبقت الإشارة إليها- إلى طرح التساؤل الآتي الذي يقع في صميم إشكالية دراستنا هذه، ألا وهو: ضمن شروط ومحددات أي سياق تربوي وسوسيوثقافي عام تقوم الجامعة في مجتمعنا المغربي والعربي بأدوارها الثقافية والتكوينية والتربوية خاصة، وأيضا بمهامها ومسؤولياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في مجالات تأطير الفكر والمممارسة في المجتمع، وفي حقول البحث العلمي وإنتاج وتطوير واستثمار المعرفة خدمة لأهداف ومشاريع التنمية المستديمة والتحديث الاجتماعي بشكل أعم وأشمل.

وإذا كانت الدراسات الميدانية هي التي ينتظر منها أن تقدم عناصر الجواب عن هذا التساؤل المركزي في دراستنا، وضمن الحدود الممكنة، فإنه من المفيد أن نسجل، هنا، بعض التساؤلات/ الملاحظات حول ما يحتمل أن تكون عليه ثقافة مخرجات الجامعة المغربية في ظل هذه الشروط المأزمية التي تؤطر آليات اشتغال المؤسسة الجامعية، وأقصد بذلك منتجاتها من الشباب والكفاءات والأطر المختلفة.

كيف يمكن لـ: "عقل أكاديمي مأزوم" منتج لـ:" ثقافة جامعية مأزومة" بدورها مكرسة للحرفية والتلقينية ومنخرطة في دوامة صراعات فكرية أو مهنية أو سياسية أو تدبيرية هامشية- وحول سلط وهمية في الغالب- كيف يمكن لهذه الثقافة المؤسسية أن تساهم في تشييد عقلاني وحداثي لبنية أو منظومة متكاملة من القيم والأعراف والتقاليد والنماذج المعرفية والممارسة والأخلاقية...التي بإمكانها أن تشكل الإطار المرجعي الذي تتكون وتنمو وتتقاطر وتتطور في أحضانه ثقافة شبابية مكرسة لقيم العقل والعلم والبحث العلمي والمواطنة، وحاملة بالتالي لوعي شبابي بما للجامعة وللشباب الجامعي، تحديدا، من مسؤولية ودور ريادي في عمليات التنمية والتجديد والتحديث...؟[17]

وفي إطار ما تعيشه الجامعة المغربية، بل جل جامعات الوطن العربي- من انفصال أو طلاق أو تكامل.. بينها وبين محيطها السوسيواقتصادي الشامل وما يترتب على ذلك من تدهور متزايد لصورة مكانتها في الوعي المجتمعي العام، ومن انحسار لدورها في الحراك الاجتماعي والمهني والتسلق المراتبي- كما كانت في فترة الستينيات والسبعينيات مثلا- ألا يمكن التساؤل، في هذا الإطار عن مدى تأثير أوضاع الجامعة هذه في تشكيل مواقف الشباب الجامعي واتجاهاتهم نحو الدراسة أو المهنة أو نحو المستقبل...؟ ألا يمكن أن نجد في طبيعة هذه الأوضاع المأزومة ما يساعد على تحليل وتفسير وفهم بعض المواقف الانتقاصية أو اللامبالية للشباب اتجاه العلم والثقافة بل واتجاه المؤسسة التربوية بشكل عام، مدرسة كانت أو جامعة؟ وبماذا يمكن تفسير ما توصلت إليه بعض الدراسات من نتائج تبرز أن شرائح متعددة من الشباب الجامعي أصبحت تفضل العمل المبكر- قبل انتهاء التكوين- أو ترك الدراسة أو الانخراط في مغامرة هجرة غير محسوبة العواقب...؟[18]

- وإذا كانت الجامعة على مستوى دورها الفكري والسياسي، وكما تمت الإشارة إلى ذلك آنفا، تعد - بامتياز- من أهم قلاع التنشئة السياسية والفكرية للشباب و المساهمة في تكوينهم كـ"مواطنين واعين بشروط وجودهم الاجتماعي والسياسي، وحاملين لبعض قيم التجديد والتحديث والتغيير، ومهيئين للاندماج في محيطهم السوسيوسياسي والثقافي والحضاري كفاعلين ومبادرين إيجابيا ومنتجين فإن أوضاع الجامعة في الظرفية الراهنة تستدعي، في هذا المجال إثارة أكثر من تساؤل. ولاسيما في إطار تنامي المشاريع لإكراهات العولمة وتحدياتها المتعددة...ذلك أنه إذا كانت الجامعة المغربية، في بعض الفترات التي عرفت فيها أوج نشاطها وخاصة في الستينيات وأوائل السبعينيات، قد ساهمت، بالفعل، في بناء " ثقافة سياسية شبابية" متسمة بقدر لا يستهان به من النضج الفكري والوعي السياسي، ومن بعض القدرة على التفاعل والتحاور مع العديد من المنظومات والتحولات والتيارات الفكرية والفلسفية والسياسية والإيديولوجية وطنيا وعربيا وثالثيا ودوليا، وضمن محدودية وإكراهات الظرفية المعنية، فإن ما يلاحظ الآن هو التراجع المخيف لهذا الدور التنشيئي والتكويني والسياسي للجامعة المغربية[19].

       إن ما تعرضت له هذه الجامعة، مما أشرنا إليه سابقا، من "مخزنة" ضاغطة ومن مصادرة وحذر-أحيانا- للحركة الطلابية بشتى فصائلها، ومن تلغيم لها- سواء بشكل علني أو ضمني- ببعض العناصر الظلامية أو المتطرفة فكريا وسياسيا وعقديا وإيديولوجيا...، كل هذا قد جز بالفضاء الجامعي عموما والحركة الطلابية خاصة، في خضم من الصراعات والرهانات والصدمات الفكرية والسياسية القائمة على منطق العنف والنبذ والإقصاء، والإقصاء المضاد..ما يتضح ابتعاده، باستمرار، عن أن يشكل رافدا داعما للتكوين المعرفي وللبحث العلمي الهادف وللتنشئة السياسية والفكرية المنفتحة والمتوازنة للشباب.ذلك باعتبار هذه التنشئة مقوما أساسيا من مقومات بناء " ثقافتهم" الخاصة بالمدلول الذي قدمنا به آنفا مفهوم "الثقافة الجامعية ".هذا فضلا عن كون ما يخترق الفضاء الجامعي والحركة الطلابية من أفكار وممارسات لا عقلانية يساهم، لدى شرائح لا يستهان بها من شباب الجامعة، في تشكيل اتجاهات أو تصورات أو مواقف أو آراء...هي في مجملها انتقاصية، متحفظة أولا مبالية إزاء الأحزاب، والنقابات، والحركة الطلابية...بل إزاء العمل السياسي والديني والاجتماعي بشكل عام[20].

وإذا أضفنا إلى ما سبق ما يعيشه طلاب وأساتذة "الجامعات المحيطية الجهوية" من ظروف مادية ومعنوية مزرية تفتقد فيها جملة هامة من شروط وحوافز التدريس والتكوين والبحث العلمي والعمل الثفافي والسياسي- وهي ظروف أصبحت تعاني من بعضها حتى الجامعات الكبرى في كل من الرباط وفاس والدار البيضاء – فإننا نجد أن الشباب الجامعي المغربي لا يضع في صدارة اهتمامه للقضايا الثقافية والسياسية والاجتماعية للشأنالعام، محليا وكونيا، بقدر ما ينشغل أساسا بهموم التدبير البئيس والمتغير لمشكلات اليومي، من سكن ونقل ودراسة وتأخر أو انقطاع المنحة...الخ، كل هذه الشروط تكاد تحول الحرم الجامعي برمته، تنظيميا، إلى مجال للفوضى والاضطراب والتسيب...كما تنحدر به تربويا و تقافيا، ربما إلى مرتبة أدنى من مستوى الإعدادية أو الثانوية، اللهم إلا ما كان من بعض الاستنشاءات التي لا تلغي هذه القاعدة بل تؤكدها[21].

وفي إطار غياب منظومة متكاملة وممأسسة للإعلام والتوجيه الدراسي والمهني بالجامعة كفيلة بتقديم المعلومات والمعطيات والخدمات والتوجيهات الضرورية للشباب الجامعي، نجد أن العديد من طلاب الجامعة يجهلون الكثير عن ذواتهم، وعن مكونات ومؤسسات ومجالات المحيط السوسيواقتصادي الذي ينتمون إليه. وإذا كان يفترض في هؤلاء، أن يتموضعوا، في سياق هذا المحيط، بامتلاكهم لمشاريع دراسية ومهنية متوفرة على بعض مقومات الوضوح والواقعية والانسجام، ومتجاوبة مع إكراهات وشرطيات المحيط من جهة، ومتساوقة مع تطلعات واختيارات وانتظارات هؤلاء الشباب من جهة ثانية، فإن ما يبدو هو أن غياب الخدمات التربوية والنفسية والاجتماعية...التي يفترض أن تقدمها المنظومة الإعلامية والتوجيهية الآنفة لا يساعد الشباب الجامعي على تكوين صورة موضوعية وواضحة عن ذواتهم وقدراتهم وإمكاناتهم الخاصة وأيضا عن خصوصيات ومواصفات محيطهم المهني والاقتصادي والاجتماعي، جهويا ووطنيا وعالميا...

لقد كان ينتظر من التوسيع المتواتر لمروحة التعليم العالي بإنشاء عدد من الجامعات والكليات والمعاهد أو المدارس العليا... في عدة مدن تنتمي إلى جهات أو أقاليم مغربية مختلفة، وخاصة منذ مستهل الثمانينيات، أن تكون هذه المؤسسات الجامعية محاور أساسية للإشعاع العلمي والثقافي والسياسي ودعم اللامركزية والديموقراطية..." وأقطابا:Poles  " جاذبة ومحركة للتنمية البشرية والاجتماعية الشاملة في فضاءاتها الجهوية المحلية والوطنية أيضا. غير أن مستوى أداء هذه المؤسسات لا يبدو أنه يسير في اتجاه تحقيق ذلك[22]، نظرا إلى  الكثير من الأعطاب التي سبق ذكر بعضها.

 وإذا وضعنا في الحسبان أن تأسيس هذه المؤسسات الجامعية الجديدة- بحسب رأي العديد من الباحثين ومن الهيآت السياسية والنقابة والاجتماعية المعنية أو المهتمة – لم يأت في إطار تصور عقلاني ممنهج لانفتاحها على حاجات وإمكانات وخصوصيات محيطها الاجتماعي الشامل، ولا ضمن رؤية علمية وتنموية لأدوارها الثقافية والسياسية، سواء على مستوى الجهة أو على المستوى الوطني بشكل عام، وإنما جاء هذا التأسيس إما لاعتبارات إدارية أو انتخابية وإما "نتيجة قرارات سياسية وأمنية لأنه كانت هناك نية تشتيت الحركة الطلابية"[23] .إذا وضعنا في الاعتبار كل ما سبق فإنه يتبين لنا جليا لماذا أصبحت الجامعة عندنا- بل وفي جل مجتمعاتنا العربية- موسومة بالانعزالية والهامشية والجمود واجترار المنهجيات والأساليب المتقادمة في التلقين والإشراف والبحث والعمل الثقافي فغدت بفعل ذلك- حسب توصيف البعض-

Partager cet article

Repost 0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article